468x60 Ads

This is an example of a HTML caption with a link.
الملخص
يرمي هذا البحث إلى الإسهام في تحديث الدراسات النقدية المنصبة على النصوص القصية وإسباغ هالة علمية ثابتة على الفن القصصي الذي يشمل الحبكة والعقدة والتسلسل الزمني وتقاطع مؤشرات الأحداث والشخصيات والأماكن.بعد عرض لبعض النظريات السائدة في أوروبا وأمريكا يعرج البحث على التركيز على طريقة ذاع صيتها واشتد الجدال حولها ألا وهي:
الطريقة الزمنية القياسية والتي أبها بها الناقد الفرنسي "جيرار جونيت" والتي تنتمي إلى ما اصطلح عليه بعلم النقد القصي أو الناراتولوجيا Narratologie وبعد عرض معالم هذه الطريقة الحديثة هناك تطبيق لها على نص أخذ لا على التعيين وذلك قصد التحقق من صلاحية هذه الطريقة المعروضة كوسيلة تنطبق على كل نص يحوي أحداثاً مهما كان نوعها ومهما طال ذلك النص أو قصر. والتطبيق لأي نظرية كانت لا يخلو من اجتهاد يتم من طرف الدارس المطبق والاجتهاد هنا هو إرجاع عناصر النص الزمنية والقياسية إلى محورين مستخدمين في علوم الحساب والهندسة ورسم الخرائط. أي محوري السينات والعينات اللذين منهما يستنبط خطاً بيانياً يُظهر للعيان التغيرات الزمنية في الأحداث ويتابع سير الحبكة والفن القصصي بشكل لا يخلو من ابتكار وحدة وحداثة ويخلص البحث إلى تقييم هذه الطريقة وإمكانية توسيعها لتشمل نصوصاً طويلة بل وقصصاً وروايات بأكملها ويربطها بطرق أخرى لا تتعارض معها بل تكملها وترفدها بعين من الدقة والرصانة العلمية. إذ لم تتطرق أية دراسة عربية حتى الآن لمثل هذا النهج العلمي ولم يترجم إلى اللغة العربية حتى الآن أي كتاب يعرض هذه الطريقة بالشرح والتفصيل.
مقدمة:
عديدة هي النظريات التي تظهر في عالم الغرب وعالم الشرق حول النقد الأدبي وخاصة ما يتعلق بطرق دراسة الرواية والقصة الطويلة أو القصيرة. وهذه نبذة عن تلك الطرق:  
لقد كانت نقطة البدء نابعة من اتحاد الكتاب والنقاد الشكليين الروس وعلى رأسهم "بروب" و"جاكوبسون" و "باختين" وقد اصطلح على ما أتى به هؤلاء النقاد عام 1915 "بالشكلية" وهي تدعو إلى فصل النقد الأدبي الموضوعي عن سيرة الكاتب وعن الوضع الاجتماعي السائد والنظريات الفلسفية أو الدينية. وكان كتاب "شكلية القصة" الشرارة التي أشعلت هذا الاتجاه في جميع أنحاء أوروبا الغربية أو الشرقية. وقد كتب هذا الكتاب الناقد Propp Morphologie du conte بروب ثم تبع ذلك أشكال عديدة من الطرق التي تؤيد أو ترفض هذا العمل أو عدمه عن حياة الكاتب. فمن بين أشهر التيارات المتصارعة في هذا المجال في فرنسا:
1-نظرية "باشلار" الذي عول على التركيز على عناصر الطبيعة الأربعة التي تطبع كل عمل من أعمال القص الأدبي. وهذه العناصر مستقاة من الفلاسفة اليونانيين الأوائل الذين يرون أن كل ما في الكون يرد إلى ما يلي: النار والماء والهواء والتراب. وقد حاول "باشلار" دراسة أبعاد هذه العناصر من ناحية تركيب القصة وأثرها في إبراز المتصارعات النفسية والاجتماعية الكامنة من وراء مختلف الأحداث في القصة والتي تتوضع في صور لا شعورية (ترجمة غلوين كتب باشلار Bacheard هي: "التحليل النفسي للنار" "الماء والأحلام" "الهواء والرؤيا"... الخ.).
2-نظرية "مورون" Mouron: ربط هذا الناقد الفرنسي العناصر النفسية المستقاة من حياة الكاتب مع الظواهر النفسية التي تطبع شخصيات القصة وتصرفاتهم تجاه بعضهم والغاية من ذلك الوصول إلى تحليل مفصل للشخصية التي اخترعها القاص بناء على ما يعتمل في نفسه من مشاعر أو عقد نفسية يعاني منها باستمرار.
عنوان كتابه: "المدخل إلى دراسة نفسية الشاعر مالارمي" Psychanalyse de Malarmée
3-نظرية "بارت" (Roland Barthes)
لقد طبق هذا الناقد البنيوي قواعد البنيوية بحذافيرها إذ فصل أولاً العناصر المكونة للحوادث في القصة والدوافع التي أدت إلى ظهور القصة نفسها أي النزعات النفسية والشعورية لدى القاص. فالناقد "بارت" يرفض الخوض في خلفيات لا شعورية قد يتنبأ بها القارئ المتفحص.
فكل ما يرغب الوصول إليه هو استنباط شبكة من الأفكار والاتجاهات التي تطبع الشخصية خلال الحوادث المعروضة.
كتب "بارت" (حول الشاعر راسين) (Sur Racine)
(الدراسة البنيوية للقصة) Lanalyse structurale du Récit
(النقد والحقيقة) Critique et Vérité
4-نظرية التعبير (Théarie de lénonciation) لقد تدخل اللغويون واللسانيون في خضم الصراعات النقدية فأدلوا دلوهم فيما يتعلق بالخواص النحوية والصرفية والمعنوية التي تطبع النصوص القصية. فميزوا بين المقاطع التي تحتوي على الحوار بين الشخصيات وبين المقاطع التي تحتوي على وصف أو سرد للحوادث دون سماع صوت الشخصية التي تعيشها.
ومن بين من اهتموا بهذه الناحية بينفينيست (Benvéniste)، جاكبسون (Jakobson) والأول فرنسي والثاني هاجر إلى أمريكا وهناك أيضاً عالم اللغة الإنكليزي أوستين Austin  الذي شارك في مثل هذا الاتجاه. وهذا ملخص إجمالي لما يرونه مناسباً لدراسة النص القصي:
إن كلاً من السرد (le récit) والخطاب أو الحوار (le discours) يتميز بظواهر لغوية معينة ينبغي التنبه إليها لدى الشروع في النقد. فالسرد يحوي أفعالاً ماضية وضمائر الغائب بينما يحوي الحوار أفعالاً مضارعة تعبر عن الزمن الحاضر، وصيغ التعجب والنداء والاستفهام وظروف الزمان المعبرة عن اللحظة التي يجري فيها الحوار وكذلك يحوي ظروف مكان الحوار ويتميز الحوار خاصة باستعمال ضمائر المتكلم والمخاطب.
مؤلفات النقاد أو اللغويين الذين اهتموا بهذا الاتجاه:
"أميل بينفينيست" "مسائل عامة لسانية" Problémes de linguistique générale
"جاكسون" "محاولات عامة لسانية" Essais de linguistique general
"أوستين" "كيف نجعل الكلام عملاً"
Quand dire, cest ffaire (How to do thing with words)
والحقيقة أن هذه النظريات والطرق الأربع ليست سوى غيض من فيض ولكني أخص طريقة حديثة شاعت مؤخراً في فرنسا وخلقت مسحة جديدة لنقد القصة مبني على أسلوب تحليلي علمي.
هذه الطريقة يمكن تسميتها بالطريقة الزمنية القياسية وهذا شرح لها يتلوه نموذج تطبيقي عملي لنص قصي مصحوب بمخطط للبنية التي تطبعه.
الطريقة الزمنية القياسية:
فيما يلي السبب الذي من أجله ركز على هذه الطريقة: نظراً لتعدد الطرق والنظريات التي تتداخل فيما بينها ناهيك عن صراع المقلدين مع المحدثين فإن هذه الطريقة كما سنرى تصلح لتكون مدخلاً يساعد على التوغل في عالم النص الرحيب. وما يبرر اللجوء إليها هو اعتمادها على الزمن الذي تعتبر دراسته مفتاحاً للولوج إلى معظم النواحي التي تهم الدارس لشتى النواحي في النص.
هذا الزمن يرتبط بالضرورة في المكان الذي يتم فيه الحدث وبالشخصية التي تقوم بالعمل.
والقياس المضبوط ضبطاً محكماً يشكل أحد العناصر الرصينة العلمية في هذه الطريقة.
التاريخ والرد: هذان العنصران هما أهم ما يجب التنبه إليه لدى الشروع في دراسة نص يحتوي على أحداث سواء أقلت أم تعددت. التفريق بين هذين الأمرين هو في غاية الأهمية.
التاريخ: هو التسلسل الزمني المنطقي للأحداث دون تشويه ودون تغيير أي هو الإتيان بالأحداث في تسلسل أوت رتيب منتظم يبدأ من أول حدث واقع في الماضي وحتى آخر حدث واقع في المستقبل. مثال على ذلك:
"استيقظ سامي في الساعة السادسة صباحاً ثم قام بالرياضة في الساعة السادسة والنصف وفي السابعة تناول طعام الإفطار وفي السابعة والنصف انطلق إلى عمله وفي الثامنة وصل إلى مكان عمله بكل عزيمة وثبات".
في هذا المثال نجد التواقيت التي تتم بها الأعمال وهي مسافة بالترتيب: السادسة والسادسة والنصف فالسابعة ثم السابعة والنصف وأخيراً الثامنة.
السرد: بخلاف ذلك يتم السرد الذي لا يتبع بالضرورة التسلسل التاريخي المنطقي وإنما يغير ترتيب الأحداث لإظهار نواح يعدها الكاتب ذات أهمية بالنسبة للتعبير عن فكرة ما. مثال على ذلك.
"حين انطلق سامي في الساعة السابعة والنصف إلى عمله ووصل في الساعة الثامنة كان على أفضل حال من التفاؤل والحيوية ذلك أنه قام ببعض الرياضة في السادسة والنصف وتناول طعام الإفطار في السابعة ولأنه استيقظ باكراً في الساعة السادسة".
وهكذا بدلاً من أن يصبح الترتيب تاريخياً كما هو في المثال الأول يصبح هذا الترتيب سردياً تبرزه كما يلي حسب الأفعال الواردة وحسب التواقيت:
الساعة 7.30 انطلاق إلى العمل
الساعة 8 وصول إلى العمل
الساعة 6.30 رياضة
الساعة 7 إفطار
الساعة 6 استيقاظ
مما سبق نرى أن عنصر القياس للزمن يلعب دوره الرئيسي في هذه الطريقة ولهذا سميت الطريقة الزمنية القياسية وهذا تمثيل بياني للتاريخ والسرد يساعد على تصور أبعاد هذه الطريقة:


هذا التمثيل البياني مستوحى من المحاور المستخدمة في الرياضيات وخاصة الجبر والهندسة التحليلية. حيث أن محور السينات يوافق محور التاريخ (ت) المتجه من اليمين إلى اليسار أما محور العينات فيوافق محور النص (ن) ويتجه من الأعلى إلى الأسفل. وعلى هذين المحورين تثبت العناصر الزمنية كما نرى على هذين الرسمين النموذجيين. ومن الملاحظ أن إسقاط التواريخ والتواقيت على ترتيب ورودها في النص يعطينا خطاً مستقيماً منتظماً في المثال الأول هذا الخط البياني نسميه اس (السرد). ولكن في المثال الثاني نرى الخط البياني (2س) أصبح متعرجاً لأنه يتبع التغيرات التي تطرأ على التسلسل التاريخي الأساسي والمنتظم. إذ أننا نرى على هذا الخط نقطة بدء متأخرة بالمقارنة مع نقطة البدء في المثال الأول. في المثال الأول نبدأ في الساعة السادسة بينما في المثال الثاني نبدأ في الساعة السابعة والنصف ثم نتابع نحو الساعة الثامنة ولكننا نعود إلى الوراء نحو الساعة 6.30 ثم نتابع نحو الساعة 7 وأخيراً نعود إلى الوراء نحو الساعة 6.
شرح مفصل للطريقة:
إن موجد هذه الطريقة يدعى "جيرار جونيت" الفرنسي وكتابه الذي لم يترجم بعد عنوانه "الوجوه" (Les Figures)
وفيه يتطرق إلى الوجوه أو الأشكال التي تطبع فن صياغة الحبكات في أحداث القصة أو الرواية أو المسرحية بل وحتى داخل نصوص شعرية تحتوي على شيء من الأحداث. أما الرسم البياني المرافق لهذه الطريقة فقد أوجدته لإسباغ هالة من الدقة على التطبيق. فالحقيقة أن كل طريقة وكل نظرية تبقى قيد التنظير ما لم تطبق بتجربتها على نصوص عديدة كي نتمكن من التحقق من فائدتها بالنسبة للمحلل لنص قصصي أو غيره. حسب موجد هذه الطريقة هناك ثلاثة عوامل يجب التركيز عليها فيما يتعلق بالفن القصصي. هذه العوامل هي: الترتيب والمدة والتردد.
وهذا شرح لها.
1-الترتيب: إن ترتيب الحوادث يمكن أن يكون له أربعة أشكال أو وجوه وهي:
آ-الترتيب النظامي الذي يتبع خط سير زمني متجه دوماً في اتجاه واحد من الماضي نحو المستقبل أي أنه كما وجدنا سابقاً هو سرد تاريخي. والمثال الأول الذي سقناه ينطبق على ذلك.
ب-الرجوع إلى الوراء وهو الاتجاه بالأحداث نحو الماضي أي بعكس اتجاه عقارب الساعة.
مثلاً: "استولى نابليون على الحكم في فرنسا عام 1814 وقد كان ضابطاً بالجيش الفرنسي إبان الثورة الفرنسية التي اندلعت عام 1789".
ج-التسبيق نحو الأمام: على العكس من ذلك فبإمكان القاص أن يقفز إلى الأمام عبر الزمن ويسبق الأحداث حيث يبتعد عن الحدث الرئيسي الذي يكون قد سرده أولاً. مثال: "بينما كان الطالب(1) يتجه نحو قاعة الامتحان(2) أخذت فكرة تنساق إلى ذهنه عن مستقبله بعد التخرج وكيف سيكون(3) بإمكانه متابعة دراسته للتخصص في الخارج فازداد(4) ثقة بنفسه ودخل(5) القاعة بكل اطمئنان".
نرى في هذا المثال أن الأفعال: كان يتجه(1)، وأخذت(2) وازداد(4) ودخل(5) تتابع بشكل نظامي غير أن الفعل "سيكون بإمكانه(3)" يشذ عنها إذ يقذف بالقارئ نحو زمن مسبق.
د-اللا ترتيب: بإمكان القاص أن يخرج عن نطاق الزمنية ويورد تفاصيل تنطبق على كل زمان وكل مكان. مثلاً: "أن قطرة واحدة من الماء تحوي على عدد لا يحصى من الكائنات الحية المتناهية في الصغر لو نظر أحد إليها بالمجهر الإلكتروني لرأى العجب". في هذا المثال ليس هناك تتابع زمني لأحداث معينة.
2-المدة: الترتيب هو مراقبة ما إذا كان الحدث يأتي قبل أو بعد أو أثناء حدث آخر أما المدة فهي مجموع اللحظات التي يستغرقها الحدث وكذلك مجموع اللحظات التي تفصل حدثاً عن آخر. ولا بد من ملاحظة شيئين اثنين مرتبطين بالفصل بين التاريخ والسرد. وهو أن التاريخ يقاس بالزمن الحقيقي الذي يستغرقه الحدث أما السرد فيقاس بالزمن الذي تستغرقه قراءة أو حكاية هذا الحدث. فالسرد يوجد على صفحات القصة بينما التاريخ يوجد على بساط الحقيقة.
مدة التاريخ تقاس بالثواني أو الدقائق أو الساعات أو الأيام أو الأسابيع أو الأشهر أو السنوات أو القرون. ومدة السرد تقاس بالزمن الذي تتطلبه قراءة الأحداث ولكنه يقاس أيضاً بعدد السطور أو الفقرات أو الصفحات أو الفصول التي يستغرقها حدث أو مجموعة أحداث. وهذه أمثلة على ذلك تحدد أشكال المدة:
آ-المشهد: هو الشكل الذي تتساوى فيه مدة التاريخ ومدة السرد كما يحدث تماماً على خشبة المسرح مثال: "تناول(1) معطفه ومقلته وانطلق(2) من بيته. وبينما هو على الباب صادف(3) جاره فحياه(4) واتجه(5) نحو موقف الحافلة الكائنة بالقرب من مدخل البيت".
نلاحظ في هذا المثال أن المدة التي يستغرقها التاريخ من أول فعل حتى آخر فعل لا تتعدى الدقيقة وكذلك فإن المدة التي يستغرقها سرد هذه الأفعال لا تتعدى الدقيقة.
أي بالرموز ت= دقيقة واحدة ن= دقيقة واحدة
أي ت= ن أو بالإمكان أن نقول أن مدة التاريخ (دقيقة) استغرقت سطرين فقط أي أن سرعة السرد= نصف دقيقة في السطر الواحد.
ب-العجالة: هي الشكل الذي تكون فيه مدة التاريخ أي مدة وقوع الأحداث أطول من سردها. مثال على ذلك:
"نشأ ذلك الطفل في جو عائلي مليء بالعلم وحصافة الرأي وما أن اشتد عوده وقوي ساعده حتى انبرى يقارع أعداء وطنه الصهاينة المحتلين": في هذا المثال يمتد زمن التاريخ المطروق من الطفولة حتى سن الشباب أي حوالي عشر سنوات أما مدة سرد هذا التاريخ فلا يتعدى السطرين.
أي أن ت > ن (التاريخ أطول من النص) أو مدة التاريخ أطول من مدة قراءة النص وهذا ما يميز العجالة التي تحتوي بالضرورة على مدة طويلة محكية في فترة وجيزة. أما سرعة السرد فهي 10 سنوات في سطرين أي بمعدل 5 سنوات لكل سطر.
ج-التباطؤ: إن الصورة التي يتلقاها القارئ أو يسمعها من القاص عن الأحداث تكون سريعة الأحداث أو ذات سرعة توافق الحقيقة (مشهد) أو ذات سرعة بطيئة وهذا يتوقف على الفرق بين طول مدة التاريخ ومدة حكاية هذا التاريخ فإذا كانت مدة سرد الحديث أطول من مدة وقوع الحدث يصبح الشكل القصصي تباطؤاً أي يصبح ت < ن (أي مدة قراءة النص أطول من مدة وقوع الحدث).
وهذا مثال على شكل التباطؤ:
"رفع الفلاح النشيط يده الملأى بالبذار وقبل أن ينثرها عبر الحقل المترامي الأطراف بدت ذراعه المرفوعة وكأنها تبلغ عنان السماء لتلمس الغمام وما إن بدأت هذه الذراع القوية في الهبوط حتى بدت للناظر وكأنها ترسم في الأفق خطاً رحباً يطال بالخير والعطاء الحقول الممتدة على مرمى البصر وما إن انتشر الحب حتى تلقفته الأرض الطيبة بحنين واشتياق.
في هذا المثال أحد عشر فعلاً تتم في فترة ربما لا تتعدى كلها الثانية الواحدة لأن الحركة التي يقوم بها الفلاح هي بطبيعة الحال حركة سريعة إلا أن سرد تفاصيلها يتم في فترة أطول من التي تستغرقها هي في الواقع. إذن هنا التاريخ أقصر من السرد لأن السرد يستغرق حوالي الدقيقة في هذا النص أي 60 ثانية.
ومن هذه المعطيات نستنتج أن ن > ت
ولزيادة إيضاح هذا الشكل من أشكال الفن القصصي نورد مثالاً من جاهز الرائي "التلفزيون" الذي يلجأ فيه إلى ذلك الأسلوب البطيء. فبالإمكان بالنسبة لرمية كرة يقوم بها لاعب يدخل فيها الكرة نحو الهدف أن يبطئ معد البرنامج شريط المباراة بحيث ترى تفاصيل الرمية بشكل بطيء جداً كي نتبع مسير الكرة التي تصطدم أولاً بعارضة المرمى ثم ترتد لتلمس أحد اللاعبين وتصطدم به وتعود ثانية لتستقر داخل شباك المرمى. في حقيقة الأمر كل هذه المراحل لا تستغرق أكثر من مدة ثانية غير أن الصور المتحركة على جهاز الاستقبال تستغرق ما يقارب الدقيقة.
وبالمثل فإن التباطؤ في قص حدث مثل هذا يمكن أن يستغرق وقتاً أطول من حقيقة وقوعه.
ويستغل القاصون هذا الأسلوب للتركيز على أهمية الأحداث الداخلة في مجال التباطؤ لدرجة أن الحدث يتحول إلى شبه وصف يتأمله القارئ أو السامع أو المشاهد ويستنبط منه العبر.
د-الوقف: إن التباطؤ حين يبلغ غايته يبدو الزمن وكأنه توقف عن الجريان أي أن التاريخ لا يتمتع بأي مدة لأنه ينعدم نهائياً بينما يستطيل النص في مدته الزمنية وهذا الشكل القصصي ينطبق على الوصف لوجه إنسان أو منظر طبيعي أو حالة نفسية معينة. وينقلب السرد إلى لوحة فنية مصاغة من كلمات متعددة. مثال:
"كانت عين الطفل الساذج تلمع ببريق أخاذ وكأنها بؤبؤ قطة وديعة تستجدي الناس بنوائها المؤثر وكان شعره العسجدي يلمع تحت الشمس الساطعة وكأنه يعكس لآلئ من نور على الخضرة الممتدة من تحته. هكذا كانت صورة الطفل حين دمعت عينه".
في هذا الوصف يتوقف الزمن عن الجريان أي أن الأفعال الواردة لا تخص تطوراً زمنياً حين ننتقل من أحدها إلى الآخر. ورياضيات نذكر أن ت =. بينما ن = عدداً ما.
هـ-الحذف: إن فن القصة يتطلب من القاص معرفة كل الأساليب والحيل التي تساعده على المضي قدماً في سرد الأحداث. ومن بين هذه الحيل إغفال أحداث تستغرق زمناً معيناً يطول أو يقصر. والحذف يساعد على زيادة سرعة الوصول إلى نهاية القصة وهو نفسه عنصر من عناصر العجالة والتسبيق. والحذف هو نقيض الوقف أو عكسه. أي أن ت= مدة زمنية معينة بينما ن=. أي بالرغم من جريان الزمن يغفل الكاتب الأحداث الواقعة فيه ويحذف كل الكلمات التي تتكلم عن ذلك الزمن.
ولكي يكون الأمر واضحاً بالنسبة للعوامل الخمسة التي تشكل المدة وفن استعمالها من قبل القاص فيما يلي تخطيط بياني لها.

في هذه الرسوم التوضيحية نرى أنه على المحور (ت) (التاريخ) تكون المدة مساوية لمدة قراءة النص على المحور (ن) في حالة المشهد. بينما يكون زمن التاريخ أطول من زمن قراءة النص في حالة العجالة. وعكس ذلك بالنسبة للتباطؤ.
3-التردد: هو عبارة عن عدد المرات التي يتكرر فيها أحد الأفعال أو الأحداث أو الأعمال.
فإذا كان يحدث عدة مرات يسمى تكرارياً.
مثال على الأفراد:
"اندلعت الحرب العالمية الثانية عام 1939 بعد أن غزت القوات الهتلرية أراضي بولونيا".
إن الحدثين "اندلعت" و "غزت" يتمان مرة واحدة.
مثال على التكرار:
"كل يوم يطلع عليه الشمس تزداد عزيمة الشعب الفلسطيني على متابعة انتفاضته العتيدة ويقدم الأهالي مزيداً من الضحايا على مذبح الفداء".
إن الأفعال الثلاثة "يطلع" "تزداد" و "يقدم" تتكرر مرات عديدة.
بعد هذا العرض الشامل لعوامل الفن القصصي نتطرق إلى التطبيق فلا جدوى من طريقة أو نظرية إذا لم يؤيدها التحقق منها على الساحة العملية.
وسنعرض فيما يلي طريقة عملية لتحليل الفن القصصي في نص قصصي وهو عبارة عن بداية قصة قصيرة كتبها الدكتور أحمد زياد محبك ضمن المجموعة القصصية المعنونة بـ "يوم لرجل واحد".
تطبيق الطريقة الزمنية القياسية (عرض مبسط)
قبل الشروع بتحليل نص قصصي قصير هذه نبذة عما يتوجب على الدارس فعله لدى تطبيق هذه الطريقة:
1-الترقيم.
-يتوجب قبل كل شيء أن يعطي الدارس لكل فعل رقماً حسب ترتيب وروده في النص.
2-اللحظات الرئيسية: يجب البحث عن اللحظات التي تتم فيها الأحداث الرئيسية في النص.
تلك اللحظات يمكن استشفافها بمراقبة الظروف الزمنية والمكانية وأزمنة الأفعال وبعض التواريخ أو التواقيت التي قد يمنحها النص لنا.
3-ترتيب اللحظات الرئيسية حسب تاريخ ورودها الزمني المنطقي:
إذ أنه غالباً ما يكون ترتيب الأحداث في النص مختلفاً تماماً عن ترتيب وقوعها التاريخي ومن ثم نعين بالنسبة لكل لحظة رئيسية الشخصيات التي تشترك بالأحداث وكذلك مكان وقوع الحدث.
4-رسم محوري التاريخ (ت) الأفقي والنص (ن) (العامودي) وتعيين اللحظات الرئيسية على المحور (ت) والأفعال في النص حسب أرقامها على المحور (ن). ومن ثم استنباط تقاطع كل فعل مع لحظة وقوعه. وأخيراً ينتج الخط البياني (س) الذي يظهر التعرجات المختلفة المعبرة عن الفن القصصي المتبع في النص من قبل القاص.
5-شرح العوامل الفنية التي تظهر واضحة على المحورين المرسومين وتشمل: الترتيب والمدة والتردد.
وخير شرح نورده لهذه الطريقة هو أن نشرع فعلاً في تحليل النص التالي المقتبس من بداية أقصوصة "مقهى 2000" لأحمد زياد محبك. وفيما يلي ذلك النص:
مقهى ألفين (2000)
حين دخل ابني بسيارته في الشارع المؤدي إلى المقهى أخذت أرسل بصري عبر زجاج السيارة إلى نهاية الشارع استشرف المقهى، متشوقاً إلى رؤيته. وقبل أن نبلغه، قال لي:
"إذا رأيت المقهى فلن تعرفه، وإذا عرفته فسوف تستاء كثيراً".
"ولماذا"؟
"لأنه تغير، وأنت ألفته على شكله القديم"
"لا تقل هذا، فأنت تعرفني جيداً، في العام الماضي رأيتني أمام أحدث أجهزة المعالجة الفيزيائية في مستشفى والاس، سبقتك إلى فهمها والتلاؤم معها، هل تنكر ذلك؟".
فأجاب بهدوء: "لا بد من الإقرار يا أبي بأنك في شباب دائم".
وصمت على مضض، وأنا أرسل بصري إلى الأمام، مستشرقاً المقهى.
لم يتح لي أن أحضر حفل افتتاح مقهى 2000 على الرغم من بطاقة الدعوة التي وجهها إلي صديقي صاحب المقهى، فقد كانت ملازماً الفراش، إثر وعكة ألمت بي، وكانت أحد مظاهر الهرم والعجز، وقد بالغ في تأكيد ضرورة لزومي الفراش، وبعد شيء من التحسن، استطعت إقناعه برغبتي في زيارة المقهى ولقاء أصحابي القدامى، وقد وعدته ألا أدخن شيئاً من السكائر وألا أتناول شيئاً من الشاي أو القهوة، ووضعت في جيبي علبة الدواء، وخبأت سيكارتين في الجيب الداخلي للمعطف، وعزمت على احتساء فنجان قهوة.
وعلق بصري بالمقهى، وقد أشار إليه ابني.
تحليل النص:
1-لدى ترقيم الأفعال نستنتج أن لدينا 35 فعلاً.
2-لحظات التاريخ الرئيسية حسب ورودها في النص:
آ-لحظة الدخول في الشارع المؤدي إلى المقهى وفيها الأفعال 1، 2، 3، 4، 5 ويدل عليها ظرف الزمان "حين".
ب-لحظة رؤية المقهى ويعبر عنها الأفعال 6، 7، 8، 9.
ج-لحظة تغير المقهى (يعتبر هذا التغير متزامناً مع حفل افتتاحه) ويشمل ذلك الفعل 10.
د-الزمن الذي كان يتردد فيه الأب على المقهى قبل تغيير بنائه ويشمل الفعل 11.
هـ-لحظة الدخول في الشارع المؤدي إلى المقهى وفيها الأفعال 12، 13.
و-لحظة المعالجة في والاس في المستشفى: "في العام الماضي" ويوافق ذلك الفعلين 14، 15.
ز-لحظة الدخول في الشارع وفيها الأفعال: 16، 17، 18، 19.
ح-لحظة افتتاح المقهى الذي وافق زمن مرض الأب وفيه الأفعال: 20، 21، 22، 23، 24، 25، 26 ويدل على هذه اللحظة شبه الجملة الظرفية: "إثر وعكة ألمت بي".
ط-لحظة التحسن في المرض ويدل عليها شبه الجملة الظرفية: "بعد شيء من التحسن" وتعبر عنها الأفعال التالية: 27، 28، 29، 30، 31، 32، 33.
ي-لحظة رؤية المقهى ويعبر عنها الفعلان: 34، 35.
3-ترتيب اللحظات الرئيسية حسب تسلسلها التاريخي مع وضع الشخصيات والأمكنة:
نلاحظ أن اللحظات العشرة (من الألف إلى الياء) في المرحلة السابقة تحتوي على لحظات متطابقة إذ أن اللحظة (أ) واللحظة (هـ) واللحظة (ز) تخص الدخول إلى شارع المقهى. وكذلك لحظة رؤية المقهى تتكرر مرتين في النص (اللحظة ب واللحظة ى).
أما بالنسبة للحظة ج أي لحظة تغير المقهى فتوافق أو تزامن لحظة افتتاح المقهى ومرض الأب وذلك بالنسبة للحظة (ح).
ومن ذلك نستنتج اللحظات الرئيسية حسب تسلسلها التاريخي كما يلي:
1-لحظة المعالجة في والاس (في العام الماضي): المكان (الولايات المتحدة) الشخصيات: الأب والابن.
2-اللحظة التي كان يتردد الأب فيها على المقهى القديم قبل المرض.
3-لحظة المرض والحفل.
4-التحسن في المرض (المكان: البيت).
5-دخول شارع المقهى (المكان: السيارة).
6-رؤية المقهى (المكان: السيارة).
إن الشخصيتين الوحيدتين اللتين تشكلان الأحداث في النص هما الأب والابن.
4-رسم محوري التاريخ (ت) والنص (ن) واستنتاج خط سير السرد (س)

  

5-شرح عوامل الفن القصي: لدى ملاحظة المحورين المرسومين نستنتج العوامل التالية:
أ-الترتيب:
-تبدأ الأقصوصة بإيراد لحظة دخول الأب والابن بسيارتهما في شارع المقهى وذلك يتتابع من الفعل الأول حتى الفعل الخامس (وهذا يسمى قصاً نظامياً لأنه يتبع اتجاه الزمن من الماضي إلى المستقبل).
-ثم تأتي لحظة فيها تسبيق بالنسبة لزمن المحادثة بين الأب والابن. هذا التسبيق يخص الأفعال 6، 7، 8، 9 حيث يستبق الابن رد فعل الأب تجاه رؤية المقهى بقوله: "إذا رأيت المقهى فلن تعرفه، وإذا عرفته فسوف تستاء كثيراً".
-ومن الفعل (9) كما يرى في الرسم البياني هناك عودة إلى الوراء نحو زمن المرض في الفعل 10.
-ثم يستمر هذا الرجوع حتى لحظة ما قبل المرض في الفعل (11): "أنت ألفته على شكله القديم".
-ومن الفعل (11) يعود السرد إلى لحظة المحادثة الرئيسية بين الأب وابنه في الفعلين (12) و (13).
-وبعد الفعل (13) يعود بنا النص القهقري 14 و 15 اللذين يتم وقوعهما قبل عام من اللحظة الرئيسية للنص (إن لحظة المحادثة في السيارة). ومكان وقوع الفعلين (14) و (15) هو الولايات المتحدة (والاس في المستشفى).
-ومن الفعل 16 إلى الفعل 19 هناك متابعة للمحادثة في السيارة وهو ترتيب نظامي.
-ومن متابعة سير الخط البياني نرى رجوعاً نحو الوراء أي نحو المرض الذي ألم بالأب ويشمل ذلك نصف فقرة من النص أي الأفعال 20، 21، 22، 23، 24، 25، 26.
-وبعد ذلك هناك انتقال من لحظة المرض إلى لحظة التحسن في المرض. وذلك في الأفعال 27، 28، 29، 30، 31، 32، 33.
-وأخيراً فإن النص يعود بنا إلى الترتيب النظامي أي لحظة المحادثة التي تنتهي برؤية المقهى اعتباراً من السيارة أي في الفعلين 34، 35.
وبالمختصر هذه هي العوامل القصية في الترتيب من خلال ملاحظة الخط سر (السرد):
نظامي: من الفعل (1) إلى الفعل (5)
تسبيق: من الفعل (6) على الفعل (9)
رجوع: في الفعلين (10، 11).
نظامي: في الفعلين 12، 13.
رجوع: في الفعلين 14، 15.
نظامي: في الأفعال 16، 17، 18، 19.
رجوع: في الأفعال من 20 إلى 26.
رجوع: في الأفعال من 27 إلى 33.
نظامي: في الفعلين 34، 35.
ب-المدة:
في عنصر المدة علينا ملاحظة تشكل كل من عوامل المشهد والعجالة والتباطؤ والوقف والحذف ومدى طبيعة كل منها في تكوين الحبكة القصصية في النص.
-المشهد:
ليس من الصعب استنتاج أن الطابع الغالب على النص هو مشهد المحادثة التي ترافق سير الأب والابن بالسيارة نحو المقهى الجديد. والحبكة منصبة على إثارة فضول القارئ من خلال فضول الأب نفسه لمعرفة مقدار التغير الحاصل للمقهى. والدليل على غلبة المشهد في النص هو أنه يحتوي على ثلاثة عشر فعلاً يتم وقوعها لحظة هذه المحادثة.
إن هذا المشهد الذي تتساوى فيه مدة وقوع الأحداث مع مدة سردها أو قراءتها لا يستغرق أكثر من دقيقة وكذلك مدة قراءته لا تتعدى الدقيقة. إذن ت = ن.
-العجالة:
إن المشهد المشار إليه آنفاً بحاجة إلى عوامل أخرى ترفده وتوضح ما غمض على القارئ وتفسر بعض الحوادث التي تقع فيه مثل تبرير زيارة المقهى التي استدعاها التغير الحاصل له وكذلك مرض الأب.
أما مقاطع العجالة في النص والتي تتخلل المشهد الرئيسي فهي تشمل الأفعال: 10، 11، 14، 15، أي: "تغير"، "ألفته"، "رأيتني"- "سبقتك" وهذه الأفعال الأربعة تعرض بإيجاز الفترة الواقعة قبل تغير المقهى وتمتد حتى زيارة الأب لأمريكا للمعالجة.
وهناك مقطع آخر يشمل مسافة زمنية طويلة تسبق لحظة زيارة المقهى (أي لحظة المحادثة الرئيسية). هذا المقطع يمتد من الفعل (20): "لم يتح لي" وحتى الفعل (33) أي يشمل فقرة كاملة ذات سبعة أسطر تقريباً: وحتى: "عزمت على احتساء فنجان قهوة" بالنسبة لتقدير المدة التي تفصل بين بداية مرض الأب وحتى لحظة توجهه نحو المقهى بعد تغييره فربما بإمكاننا أن نقدرها ببضعة أيام.
أي حسابيات = عدة أيام ن= دقيقة أو سبعة أسطر
إذن ت > ن وهذه هي معادلة العجالة.
-التباطؤ: لا يوجد تباطؤ واضح بالنص.
-الوقف: لا يوجد وقف بالنص لأنه ليس هناك وصف يتوقف فيه الزمن.
-الحذف: إن المشهد منذ بدايته في النص حتى نهايته يتتابع زمنياً وتاريخياً. رغم أنه يتخلله مقاطع من العجالة.
ج-التردد: أن النص برمته يعبر عن أحداث جرت مرة واحدة أي لا يتكرر وقوعها عدا الفعل (11) الذي يعبر عن تكرر حدث التعود على شكل المقهى القديم من قبل الأب: "وأنت ألفته على شكله القديم".
خاتمة:
بعد هذا التحليل نورد تقويماً للنتائج التي توصلنا إليها وللآفاق التي يمكن أن نفتحها أمامنا هذه الطريقة وكذلك علاقتها بطرق أخرى عديدة ترفدها وتغذيها وتكملها.
1-إن الوحدة الرئيسية الفاعلة في نص قصصي قصير لا يتعدى الصفحة أو الصفحتين هي الفعل الذي يمثل الحدث ويشار إليه برقمه حسب وروده في النص بشكل متسلسل.
2-إن هذه الطريقة تطبق على النص بالغاً ما بلغ طوله غير أنه يجب إدخال تعديلات طفيفة منهجية على أسلوب التطبيق. فحين يكون التحليل منصباً على فصل كامل من قصة فالأولى بنا بدلاً من أن نتخذ الفعل وحدة رئيسية في النص تصبح الفقرة هي الوحدة الرئيسية وحينئذ ننظر إلى كل فقرة من خلال القيمة الزمنية للأغلبية العظمى من أفعالها والتي تكون فيما بينها سمات مشتركة تطبع الفقرة بأكملها. ويجب في هذه الحالة أن نرقم كل فقرة حسب تسلسلها في الفصل بدلاً من أن نرقم كل فعل بمفرده.
3-إذا كان ما هو موضوع للتحليل قصة طويلة وجب حينئذ ملاحظة كل فصل من فصولها وترقيمه واتخاذه الوحدة الرئيسية. وبعدئذ نلجأ إلى رسم المحورين واستنباط العوامل الفنية في القصة كما ورد آنفاً.
4-إن هذه الطريقة لا تتعارض مع الطرق الأخرى العديدة بشتى مذاهبها ومصادرها وتظهر هذه الطريقة فعاليتها خاصة في أي نثري أو شعري تكون فيها مجموعة أحداث يتخللها وصف أو محادثة. ونورد مثلاً طرق نظريات التعبير التي تركز على الفصل بين السرد والخطاب (أي بين القص والمحادثة) وكذلك طرق التحليل النحوي والصوتي والأسلوبي الذي يدخل من بين ما يدخل ملاحظة الأفعال وأزمانها وأدوات التعريف والصور البيانية وطبيعة الأصوات ذات الجرس الموسيقي الإيحائي وغير ذلك مما يصعب ذكره نظراً لتشعبه وتعدد سماته.
5-إن الرسم البياني له أهمية كبرى من حيث أنه يصور بالعين المجردة الحركة التي يقوم بها الفكر باجتياز الزمن، تلك الحركة التي تطبع كل قص مهما كان نوعه. فالقاص ومعه القارئ يزرع الزمن والتاريخ جيئة وذهاباً قصد الإحاطة بكل ملابسات القصة والتحليق بالخيال إلى لحظات مختلفة الرابط بينها يبقى الزمن التاريخي المنطقي الذي فطر عليه الإنسان وأصبح جزءاً من تكوينه الفكري.

*)- مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العددان 237 و 238 كانون الثاني و شباط 1991
إقرأ المزيد
مهما اختلف النقاد في تحديد ماهية الأدب، ومهما تباينت آراؤهم حول وظيفته، فإنه لا يمكنهم أن ينكروا أن الأدب ينطبع بروح العصر الذي وُجد فيه، وأنه الابن الشرعيّ لقائله بالبصمات الإيديولوجية والنفسية والاجتماعية التي يتركها عليه، لذلك كثيرا ما تغنى الفحول من الشعراء بهذه "الخصوصية" فلم يكن آلـمَ  لنفس المتنبي من اتهامه  بالسرقة الشعرية، ولا أكرهَ لنفس نزار قباني من أن يُرمى بأنه يتكرر في غيره  «منذ بداياتي كافحت لكي لا أكون نسخةً عن أي شاعر آخر لأنني أومن أنه لا يوجد إلا متنبي واحد ... »[1] لكن هذه الخصوصية وهذا الشعور بامتلاك الشاعر لإنتاجه وتغنيه بالتفرد به  تراجع لدى الشعراء الإحيائيين ، فلم يعد الشاعر من هؤلاء يسعى إلى التميّز في إبداعه بالتعبير عن المعاناة الآنية التي تعتريه، أو الانشغالات التي يعايشها وتعايشها أمته، و إنما صار همه هو استحضار التجارب الفنية التي مر بها أغلب الشعراء العباسيين، فحضرت القصائد بشكلها ومضمونها لأسباب عدة، حاولت هذه الدراسة أن تكشف اللثام عما تيسّر منها، كما حاولت أن تبيّن السمات التي حضر بها الصوت العباسي في الشعر الإحيائي و إلى أي مدى كان هذا الحضور.
ومهما يكن من الاختلاف بين الدارسين في شأن تحديد مدة عصر الانبعاث أو الإحياء ، إذ منهم من لا يفرق بينه وبين عصر النهضة حيث يربطه بحملة "نابليون بونابرت" على مصر سنة 1798م إلى يومنا هذا[2]، ومنهم من يفرق بينهما؛ فبينما يبدأ عصر الانبعاث بحملة نابليون وينتهي بنهاية الحرب العالمية الأولى ، يبدأ عصر النهضة من نهاية هذه الحرب إلى حوالي سنة 1952 وهو تقسيم شكلي[3] - مهما يكن من  أمر هذا الاختلاف فإنه لا يطعن في وجود هذه الحركة وخصائصها واتجاهاتها وطابعها العام في الإنتاج الأدبي والنقدي.
ويربط الدارسون ظهور هذه الحركة – تاريخيا – بحلول القرن التاسع عشر لما طرأ على حياة الناس من عوامل جديدة كظهور المطبعة و إنشاء المدارس الحديثة،  وإرسال البعثات إلى أوربا ، وازدهار حركة الترجمة ولكن  هذه الأمور لا يمكن أن تكون وسيلة بعث أدبي إلا إذا وُجدت في بيئة يتوافر لها تراث  أدبي تقدّر قيمة الرجوع إليه من خلال الإحساس به وبمسؤولية الحاضر وتطلعاته ، ومن أجل هذا لم تكن تلك الوسائل تلعب دورها الفعال لو لم تتفتحْ العيون العربية على ميراث ضخم من تاريخها الأدبي الذي يستوعب كل اهتماماتها ويرمز إلى كل حاجاتها ، وليس من الصدفة أن يكون العصر العباسي هو الذي يتسلل بقوة نفوس الشعراء الإحيائيين دون بقية العصور.
لقد أطل العصر العباسي دون غيره من العصور على الشعراء الإحيائيين كي يمحو تلك الهوة السوداء التي تعثّر عندها الشعر العربي، وهي هوة عصر الضعف و الانحطاط ، ويُعدّ انتفاض الشعراء رافضين هذا الانزلاق التاريخي الذي عرفته حركة الشعر بعثا للشعر بالقياس إلى صورة الشعر العربي في تلك الفترة ، وهو بعث لأنه محاولة لاستعادة مجد الشعر من خلال استدعاء المرحلة العباسية التي كان الشعر قد بلغ فيها مبلغه من الكمال والقوة ، سواء في لغته أو في أسلوبه أو حتى في قوالبه و أغراضه ، واستدعائها دون غيرها لأن  شعراءها مثلوا النماذج التي يُقتدى بها، و القصيدة في هذه الفترة بلغت مرحلة المثل الأعلى[4].  
إذن فليس غريبا أ ن يحضر الصوت العباسي عند الشعراء الإحيائيين وهو يضم قمما شامخة لا تضاهى كالمتنبي الذي لم يجد ناصف اليازجي بأسا في أن يقول: «كأني قاعد في قلب المتـنبي»[5] وقد جعله مثله الأعلى في الشعر وارتاح إليه ، و البحتري الذي قال سينيته الشهيرة في وصف إيوان كسرى فقام أكثر  الشعراء الإحيائيين و المحدثين بمعارضتها سواء في الشكل أو في المضمون ، و أبي العـلاء و أبي تمام وغيرهم . 

 وفي هذا العصر تبلورت رؤية نقدية للشعر ؛ فما نجده  "عيار الشعر" لابن طباطبا، و"دلائل الأعجاز" و"أسرار البلاغة " للجرجاني و"منهاج البلغاء وسراج الأدباء " للقرطاجي ... لا يمكن أن نعدّه إلا نظرة ناضجة متقدمة للعمل الإبداعي . هذا إلى جانب المدة الزمنية التي استغرقها العصر العباسي بتقلباتها السياسية والاجتماعية . إضافة إلى التشابه الكبير الذي نلمحه بين الحياة الاجتماعية التي عليها العنصر الأجنبي فارسيا وتركيا في العصر العباسي و الحياة الاجتماعية في بداية عصر النهضة التي سيطر عليها العنصر الأوربي مما حمل الشعر الإحيائي على محاكاة الشاعر العباسي الذي كان يحيا في مناخ مشابه لمناخه . 
إن كل أديب حينما يقدم على عملية الكتابة يضع نفسه أمام تحدٍّ مكشوف إزاء العمل الأدبي الذي يود الكتابة فيه، وكلما زاد نصيب ذلك النوع من التواجد ضمن الموروث كان الشاعر أمام تحدّ أكبر ، لأن الأديب لا يمكنه الإفلات مما هو مخزون في ذاكرته من الموروث نسبيا ، وكثيرا ما تطغى سمات الموروث على قصيدة شاعر فتستولي على تجربته فتأتي صورته باهتة فيها ، لا تكاد تلمح في ثنايا القصيدة، فكأن الشاعر «مع الموروث على كفتيْ ميزان، إن رجحت كفة الموروث ضاع الشاعر لأن الموروث قوي الحضور في الذاكرة، وإن تساوت الكفتان جاء النص سليما معافىً ولكن لا جديد فيه ، والحالة الثالثة هي رجحان كفة الشاعر، وهذا هو رجحان النص المبدَع » [6]، و ضمن الحالة الأولى يمكن تصنيف الشعراء الإحيائيين؛ لأن كفة الموروث قد رجعت عندهم فغابوا عن عصرهم ، و عبّروا عن ظروف غير ظروفهم، ومعاناة غير معاناتهم ، فكان «الاعتماد على مخزون ثقافي واسع و متنوع لديهم أكثر من الاعتماد على المعاناة الآنية أو التأثر الحالي»[7]، وكان الدافع إلى المعاناة الآنية سرعان ما يحيله إلى معادل موضوعي، و تجربة مماثلة كامنة في العصر العباسي فيستدعيها بموفقها وصياغتها الفنية .
أولا : الموقف : يعتمد الشاعر الإحيائي على ما هو مخزون في ذاكرته، وليست معاناته هي الموجِّه لتجربته الفنية، و إنما المعاناة تثير في نفسه شحناتٍ من العواطف سرعان ما ترتدّ إلى مخزون يماثلها في الذاكرة، والربط بين هذا و ذلك هو الذي يملي عليه الشعر، و بذلك كان الشاعر الإحيائي موزعا بين عصرين؛ عصر يتواجد فيه و يتجاوزه، و عصر يحمله في ذاكرته فيعبر عنه، فجاء موقفه مضطربا، والذي يقرأ  القصيدة اللامية للبارودي يجزم بأن قائلها شاعر بدوي من شعراء الجاهلية أو شاعر متأخر أجاد صناعة الشعر على الطريقة الجاهلية :

أَلاَ حَيِّ مِنْ أَسْمَاءَ رَسْمَ الْمَنَازِلِ     وَإِنْ هِيَ لَمْ تُرْجِعْ بَيَانًا لِسَائِلِ[8]
     
فعنْ أيِّ (رسم) يتكلم الشاعر ؟ وهل كان من الشعراء الرُّحَّل الذين يقفون على رسوم المنازل ؟ لم يكن البارودي شيئا من ذلك لكنه يتجاهل واقعه المادي الحسي و يعبر عن واقع يحمله في ذاكرته .
و الملفت للانتباه أن الشعراء الإحيائيين كانوا يقرون بقصدهم إلى التقليد مفاخرين بذلك من عاصرهم من الشعراء ، فإقرار ناصيف اليازجي بأنه -كما مر بنا – قاعد في قلب المتنبي ، و اعتراف البارودي بـ « أن التذكر للنفوس غرام »[9] و هو يومي إلى التقليد – لدليل قاطع على ولوع هؤلاء الشعراء باقتفاء أثر الموروث ولاسيما العباسي منه .
و اضطراب الموقف لدى الشاعر الإحيائي - بهذه الصورة – في تخطيه لعصره و ارتمائه بين أحضان العصر العباسي بصفة خاصة يجعلنا نتساءل عن الأسباب الكامنة وراء هذه المفارقة، و عن هذا الاتحاد الغريب بين النفوس الإحيائية والشعر العباسي؛ إذ ليس من باب المصادفة في شيء أن يحاكي أحمد شوقي – مثلا – أشهر القصائد العباسية، ويعارضها معارضة مكشوفة في شكلها و مضمونها. فمن المؤكد أن القوة الفنية للشعر في العصر العباسي لم تكن السبب الوحيد لاندفاع الشعراء الإحيائيين نحو إعادة بعثه، و إنما هنالك جملة من الأسباب يتقدمها ذلك التوافق الظرفي بين العصرين ؛ فموقف شوقي من انتصار الأتراك في الحرب استدعى موقفا مشابها من العصر العباسي تجسد في تجربة الشاعر أبي تمام في إشادته بانتصار الخليفة المعتصم بالله ، انطلاقا من التوافق المطروح في موضوع القصيدة[10]، فهذه المعارضة تتخطى بؤرة الإعجاب لدى شوقي إلى اختيار التجربة المنغرسة في أعماق التراث طبقا للموقف الذي يعرض لها . و قل مثل ذلك عن البارودي حينما يستدعي أبا فراس بتجربته في الأسر، فتحضر القصيدة بشكلها و مضمونها متخطية المسافة بين (خرشنة ) ببلاد الروم أين كان الشاعر العباسي يرفل في أغلال الأسر ، و (سرنديب) إحدى الجزر الهندية أين كان الشاعر الإحيائي منفيا متعدية أربعة عشر قرنا من الزمن ، فحينما ألَمَّ بالشاعر طيف ( سميرة ) ارتدّ إلى مخزون في الذاكرة يماثل هذه التجربة فحضرت رائية أبي فراس الحمداني التي مطلعها :

لَعَلَّ خَيَــالَ الْعَامِرِيَّةِ زَائِـرُ         فَيَسْعَدَ مَهْجُورٌ وَيَسْعَدَ هَاجِـرُ[11]
     
فينطلق البارودي منشدا على منوالها رائية مطابقة لها شكلا و مضمونا :

تَأَوَّبَ طَيْفٌ مِنْ سَمِيرَةَ زَائِــرُ     وَمَـا الطَّيْفُ إِلاَّ مَا تُرِيهِ الْخَوَاطِرُ[12]
     
  ومهما تعددت الأسباب التي دفعت الشاعر الإحيائي إلى الانزياح نحو الفترة العباسية، واستدعاء تجاربها الفنية، فإنها غير كافية لتبرير تلك القطيعة التي كان يحياها الشعراء الإحيائيون بين ذواتهم وموضوعاتهم، وذلك التجاهل المبين لعصرهم المعيش الذي أبعدهم  «عن الرؤية الشاملة والإحساس بالنسق الكامل إلى التأمل الجزئي والحرص على التفصيلات  المنطقية الدقيقة داخل سلاسل التوليد من القديم»[13]، فذاكرة الشاعر الإحيائي - و لاسيما في المرحلة المتقدمة – كانت أشبه بالمستودع الذي يخزن فيه كل ما قرأ من التراث بالحفظ فحسب دون أن يتدخل تدخلا كبيرا في العلاقات التي تميز بين المعطيات المحفوظة ، فتظل – هـذه الذاكرة – سلبية. في حفاظها على محتوياتها، و علاقة الشاعر بها أن لها الأولوية المهنية في نظمه من حيث هي المبدأ الفاعل في هذا النظم، لذلك طغت سمات الموروث على قصائدهم واستولت على تجربتهم في أغلب الأحيان فجاءت صورتهم باهتة لا نكاد نميزها.
يرى الدكتور شوقي ضيق أن المسألة «لا تنحصر في استعارة البارودي لكلمة أو عبارة أو شطر أو معنى بكامله من الشعر القديم ، فإن ما وقع فيه البارودي – و هو على رأس الإحيائيين – من هذا القبيل ليس بالكثير و هو ليس أكثر من علاقة تدل على شدة التلاحم  بين شعره و أشعار القدماء من حيث المعاني والصور والصياغة حتى يخيَّل إلينا أنه لا يضع القصيدة إلا في أعقاب قراءته لقصائد الفحول في المعنى أو في الغرض الذي ينظم فيه، وآية ذلك أنك لا تقرأ قصيدة من قصائده في غرض من الأغراض الشعرية إلا ورأيت معاني القدماء من فحول العصر العباسي تبعث من جديد، و هو بعث كان يقصده قصدا»[14]. وقد لا يكون هذا الوصف لعملية الإبداع مطابقا لما قام به البارودي و غيره مطابقة تامة ، إلا أنه لا يبتعد عنه كثيرا و يوحي في الوقت نفسه بتأكيد العمل الآلي لذاكرة الشاعر الإحيائي.
و خلاصة القول في موقف الشاعر الإحيائي أنه كان مضطربا و كان يعيش اغترابا في عصره بانزياحه عنه إلى العصر العباسي، و لقد ظهر ذلك بأجـلى صوره في بداية عصر الحركة الإحيائية، حتى فرض على نفسه تبعية ذاب فيها وتلاشت معالم شخصيته، وأحدث قطيعة بينه وبين العصر الذي يعيش فيه، مما أوجد في نفسه تناقضا ظهر جليا بين أجزاء قصائده، لأن  «الشاعر الإحيائي لم يكن يفكر في قصيدته تفكيرا كليا يقوم بصهر عناصرها المختلفة وربطها معا في وحدة عضوية وثيقة تنتج تأثيرا نفسيا موحدا في نفس القارئ لحظة تلقيه لها، بل كان يفكر في قصيدته باعتبارها مجموعة من المقاطع مستقلة الأغراض، يقوم كل مقطع منها بفكرة خاصة يتم الانتقال منها إلى غيرها عن طريق ما يسميه القدماء بحسن الانتقال أو التخلص، ولا جناح على الشاعر –والأمر كذلك- لو حمل كل جزء من أجزاء قصيدته تأثيرا  نفسيا يتناقض والتأثير الذي حمله الجزء السابق أو الذي سيحمله الجزء اللاحق»[15].
 وإذن فالقصيدة الإحيائية تفتقر إلى الجامع النفسي الذي يحدث أثرا نفسيا موحدا لدى القارئ، وتقوم على التفكك لا يجمع بين أجزائها إلا الترتيب المنطقي في الانتقال من غرض إلى غرض، ذلك الانتقال الذي يحرص على إيجاد المشابهة الخارجية بين أجزاء القصيدة.
ثانياالتشكيل: إن معرفتنا بالكيفية التي تعامل بها الشاعر الإحيائي مع أدوات التشكيل لإنشاء شعره في إطار سياقه التاريخي والاجتماعي تضع أيدينا على بنية موقفه الجمالي، ومن ثم على الأبنية التشكيلية التقليدية وكيفية تعامله معها، ولا شك في أن «مشكل الشاعر ليس مشكل "توصيل" وإنما هو مشكل "تشكيل"، إنه لا يتوجه بمعنى مسبقٍ يسعى إلى توصيله ، كما أنه لا يتوجه إلى غرض يسعى  إلى التعبير عنه، وإنما إلى أن يثير في اللغة نشاطها الخالق حتى يكمل له التشكيل الجمالي الذي يوازي به رمزيا واقعه النفسي والفكري والروحي والاجتماعي»[16].
ولكن بنية التشكيل عند الشاعر الإحيائي مستعارة  من الموروث لأنه لا يملك الأداة التي تفجر الطاقة الشعرية الكامنة داخله، والتي أراد لها أن تظل محتبسة وألا تظهر إلا في إطار قديم يقوم على جزالة اللفظ، ونقاء العبارة، وقوة الاستعارة، ومتانة السبك. وللاقتراب أكثر من حيثيات التشكيل عند الشاعر  الإحيائي نعرج على أدواته الفنية:اللغة، والصورة، والإيقاع.
اللغة: اللغة في الشعر ليست ألفاظا معجمية ذات دلالات حيادية ثابتة، ولكنها لغة انفعال مرنة، وهذا معناه أن اللفظ ذو خصوصية في الانتقال باللغة من المعنى المعجمي إلى المعنى الشعري، مستحدثا لغة ثانية إلى جانب اللغة العادية؛ إذ تتسع دلالته وتضيق تبعا لما يبث الشاعر فيه من طاقات، وما يشحنه به من ذات نفسه، و«القصيدة كتشكيل جمالي لموقف ما لا تعدو كونها بنية لغوية مركبة من عناصر شتى تتفاعل وتتآزر لتنجز هذا التشكيل ذلك أن مكونات النشاط اللغوي في القصيدة تتفاعل متجهة إلى إنجاز التشكيل الجمالي»[17]، لكن الأمر عند الشاعر الإحيائي مختلف  تمام الاختلاف لأن اللغة الشعرية لديه ليست احتفاء بالاستعمال الخاص للألفاظ بهدف تفجير طاقتها بقدر ما هي حرصٌ على استدعاء القوالب الجاهزة والأطر اللغوية المحفوظة في الذاكرة والمستدعاة من التراث، وذلك لأن ذاكرة الشاعر الإحيائي –كما سلف- مستودع يحترق فيه كلُّ ما قرأ من الشعر القديم، ويقتصر دوره على ما «تقوم به ذاكرة المستودع في عملية النظم التي تتحول إلى عملية استعادة بمعنى أو بآخر»[18].
إذن فالشاعر الإحيائي تعامل مع لغة مشكَّلة –غالبا- سعى جهده إلى إعادة بعثها بكل خصائصها التي كانت عليها والتي وصفت في "عمود الشعر" بالجزالة والاستقامة، وتَضْرِب –هذه اللغة-أحيانا في البداوة حتى تًخال أنها لشاعر بدوي قديم ، كما في قول شكيب أرسلان وهو من الإحيائيين الأوائل :

هُوَ الْحَدُّ حَتَّى الْبُعْدُ لِلْقُرْبِ سَابِقٌ     تَمُوتُ الْخَوَافِي تَحْتَهَا وَالْقَوَادِمُ[19]

فالشاعر يحكي في هذا البيت ألفاظ المتنبي الجزلة، ومبالغته الدلالية الغائرة في قصيدته التي يمدح فيها سيف الدولة الحمداني:

ضَمَمْتَ جَنَاحَيْهِمْ عَلَى الْقَلْبِ ضَمَّةً     تَمُوتُ الْخَوَافِي تَحْتَهَا وَالْقَوَادِمُ[20]

أما إذا تمدح الشاعر الإحيائي فإنه سيميل إلى الألفاظ الفخمة الجزلة سيرا على شاكلة شعراء المدح العباسيين، من ذلك قول ناصيف اليازجي:

بِنَاءُ الْعُلاَ بَيْنَ الْقَنَا وَالْبَوَارِقِ      عَلَى صَهَوَاتِ الْخَيْلِ تَحْتَ الْبَيَارِقِ[21]

وعلى العموم فإن الشعراء الإحيائيين لم يجددوا في اللغة ولم يلتفتوا إلى الحملة الشعواء التي شنها ضدهم معاصروهم من النقاد كطه حسين والعقاد في شأن اللغة، وإنما راحوا يستحضرون الموروث بلغته القديمة التي استعملها المتنبي وأبو تمام والبحتري وغيرهم وذلك لأسباب عدة أولها؛ الثقافة العربية الخالصة لهؤلاء الشعراء الذين عادوا إلى الماضي متخطين الهوة السحيقة التي وقع فيها الأدب العربي في عصر الانحطاط، وحاولوا بعث اللغة العربية من الجمود الذي آلت إليه. وثانيها الإقبال على اللغة العربية بوصفها لغة الدين؛ إذ الوعي الديني الذي شمل الحياة العربية في ذلك الوقت لم يكن يفرق بين الإسلام وتاريخه، وبين اللغة العربية التي ارتبط بها هذا التاريخ والثقافة التي احتوتها هذه اللغة «وازداد هذا الترابط بين التاريخ واللغة والثقافة بفضل النشاط الذي كان يقوم به المثقفون العرب في إطار حركة إحياء القديم، وهي أكبر مظاهر الوعي الديني والقومي في المجال الأدبي»[22].
الصورة: إن أول عنصر من عناصر تشكيل الصورة الشعرية الخيال الذي ينهض بالدور الأساسي في تشكيلها عن طريق الجمع بين عناصرها المختلفة من مصادرها وإعادة التأليف بينها لتصبح صورة للعالم الشعري الخاص بشاعر ما، معبرة عن موقفه، ومنذ البداية يمكن التأكيد على أن الشاعر الإحيائي لم يتمكن من «إيجاد الجامع النفسي الذي يضم عناصر الصورة ويصهرها فتبدو متجانسة، بل حرص على إيجاد المشابهة الخارجية بين طرفي الصورة»[23] ، وقد تغدو هذه المشابهة الخارجية تناقضا صارخا يظهر في نفس المتلقي المتأمل مثلما يتجلى في هذا البيت للبارودي:

فَانْهَضْ إِلَى شُرْبِ الصَّبُوحِ فَقَدْ بَدَا     شَيْبُ الصَّبَاحِ بِلِمَّةِ الظَّلْمَاءِ[24]

فبواكير الصباح التي يتحدث عنها البارودي قد تتلاقى مع الشيب في مجرد اللون لكنها تناقضه من حيث الإيحاءات النفسية لكل منهما؛ فبينما يوحي الشيب بالشيخوخة والذبول والفناء، توحي بواكير الصباح بالبهجة والنضارة والشباب، فأين الجامع النفسي بين طرفي هذه الاستعارة؟
وإلى جانب ما يبدو من التناقض النفسي في الصور الشعرية لبعض الشعراء الإحيائيين هنالك المبالغات الشعرية التي جنت على الصورة القديمة حينما استعادتها من التراث المخزون بالذاكرة، من ذلك قول البارودي أيضا:

وَمَا زَادَ مَاءُ النِّيلِ إِلاَّ لِأَنَّنِي   وَقَفْتُ بِهِ أَبْكِي فِرَاقَ الْحَبَائِبِ[25]

فهو مسخ لقول البحتري:

وَسَأَسْتَقِلُّ لَكَ الدُّمُوعَ صَبَابَةً   وَلَوَ انَّ دِجْلَةَ لِي عَلَيْكَ دُمُوعُ[26]

      وقد بنيت الصورة الإحيائية عند الشعراء الإحيائيين بناء تقليديا، وكان العصر الذي يستوحون منه صورهم أكثر العصور اهتماما بفكرة المشابهة التي تقوم بوجه خاص على التشبيه، ومهما كان خيال الشاعر واسعا وإيجابيا فإنه تحت وطأة هذا التصور القائم على المشابهة فحسب – لا يعدو أن يكون خيالا جزئيا قاصرا لا يطمح إلى الجمع بين طرفين متشابهين وكأنما هو مقصود لذاته لا ليعبر عن شعور أو يبين حقيقة نفسية أو ذهنية، يقول شوقي في البائية التي أنشدها في الأتراك معارضا أبا تمام:

قَدْ فُقْتَهُمْ بِالرِّيَاحِ الْهُوجِ مُسْرَجَةً       يَحْمِلْنَ أُسْدَ الشَّرَى فِي الْبِيضِ كَالْعِنَبِ[27]

وتشبيه الجنود بـأسد الشرى يعد من قبيل المشابهة المستهلكة، والتصوير المعهود بين الشعراء القدامى يرددها أبو تمام في البائية الشهيرة:

تِسْعُونَ أَلْفًا كَآَسَادِ الشَّرَى نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ قَبْلَ نُضْجِ التِّينِ وَالْعِنَبِ[28]

ولا تكاد الصورة الموروثة عن الشعراء العباسيين تفارق شعر الإحيائيين، فهم إذا شبهوا ؛ فالشجاع ليث، والحبيب بدر، والنساء ظباء، والشعور ليالٍ...
الإيقاع: لا يكتمل الحديث عن تشكيل الشعراء الإحيائيين لصورهم تشكيلا جماليا إلا بالحديث عن جانب من أهم جوانب هذا التشكيل وهو الإيقاع. والإيقاع حركة داخلية تلتئم من خلالها أجزاء النص فتتشكل قوة شعرية وجمالية غلابة وعصية على القبض ، إنها تشكل«خطا عموديا يبدأ من مطلع القصيدة حتى نهايتها ، وبذلك فهو يخترق كل خطوطها الأفقية بما فيها خط الوزن ، ليتقاطع معها جميعا في نقطة مركزية واحدة هي جذر الفاعلية الإيقاعية »[29].
ولقد نهضت موسيقى الشعر العربي منذ أقدم عصورها على ازدواجية بنائية تتمثل فيما يعرف بالموسيقى الخارجية التي يحكمها العروض وزنا وقافية، والموسيقى الداخلية التي تحكمها مجموعة من القيم الصوتية والدلالية والبلاغية . وقد نهج الشاعر الإحيائي في إيقاعه نهج سالفيه المقلَّدين من الشعراء العباسيين وغيرهم، ونظم شعره على أغلب بحور الخليل في سائر فنون القول الشعري، وإذا تعلق الأمر بالمعارضات الشعرية فإن الشاعر لا يغير في شكل القصيدة شيئا، فقد نظم البحتري سينيته الشهيرة في وصف إيوان كسرى واستهلها بقوله:

صُنْتُ نَفْسِي عَمَّا يُدَنِّسُ نَفْسِي       وَتَرَفَّعْتُ عَنْ جَدَا كُلِّ جِبْسِ[30]

فعارضها شوقي بسينية مماثلة:

اِخْتِلاَفُ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ يُنْسِي      اُذْكُرَا لِي الصِّبَا وَأَيَّامَ أُنْسِي[31]

ملتزما بحر الخفيف الذي وردت عليه القصيدة الأولى، وحرف السين رويا للقصيدة، وقافية تتشكل من سببين، مع فارق طفيف هو اعتماد مطلع قصيدة البحتري على أحرف الصفير السين والصاد؛ لأنه يترجم تجربة شعورية شديدة الأسى.
وقد اعتمد الشعراء الإحيائيون أشهر البحور الخليلية التي اعتمدها أسلافهم؛ الطويل، والبسيط، والكامل، والوافر، والمتقارب، والرمل، والخفيف، والمتدارك، وكانوا يميلون –كما هو شأن القدماء- إلى الاهتمام بالقافية لأنها الركن الأساسي في تشكيل الصورة الإيقاعية الخارجية والداخلية، وسعوا إلى انتقاء المطلق منها دون المقيد سيرا وراء مسلك الشعراء العرب وتقاليدهم الفنية وسننهم المتبعة.
ولتجلية حيثيات الموقف والتشكيل ستورد هذه الدراسة قصيدتين إحداهما للشاعر أبي العلاء المعري وأخرى لحافظ إبراهيم بينهما من الداخل والتواشج الشيء الكثير؛ إذ القارئ لقصيدة حافظ إبراهيم التي قالها في رثاء سليمان أباظة باشا التي مطلعها :

أَيُّهَذَا الثَّرَى إِلاَمَ التَّمَـادِي ؟   بَعْدَ هَذَا أَأَنْتَ غَرْثَانُ صَادِي؟[32]

وبعد ظهور على محاورها الأساسية يشعر بأن هنالك شيئا يشده إلى الوراء، و يجد قناعة في نفوسه أنه قد وقف يوما ما على نموذج لها في التراث القديم، رغم أن الشاعر لم يكشف له أنه عارض شاعرا في التراث، أو اقتبس شيئا من شعره، لكن ذاكرتنا لا تبذل جهدا كبيرا في التعرف على النموذج المماثل لأننا سرعان ما نسمع صوت أبي العلاء ماخرا عباب الزمن الطويل ليرسو في أذهاننا بمرثيته "غير مجد في ملتي و اعتقادي "، التي قالها في رثاء أبي حمزة الإمام الفقيه الحنفي و التي مطلعها :

غَيْرُ مُجْدٍ فِي مِلَّتِي وَاعْتِقَادِي           نَوْحُ بَاكٍ وَلاَ تَرَنُّمُ شَادِي[33]

و الموقف في القصيدتين كليهما واحد هو رثاء رجل ذي مكانة اجتماعية مرموقة ، فشاعرنا الإحيائي وضع أمام تجربة شعورية قوية، فالموت مرتبط ارتبطا مباشرا بالحزن و البكاء و هذان أقرب إلى دفع الشاعر نحو الإبداع، لكن هذه التجربة الشعورية أو المعاناة لا تُنتج تجربة فنية أصيلة تصطبغ برؤى خاضعة لموقف الشاعر الفني، بقدر ما ترتد بالشاعر  إلى ما هو مخزون في الذاكرة فتستدعي تجربة مماثلة فيستقر على تجربة أبي العلاء في الرثاء، وعلى الرغم من المبالغة التي تقوم حول ما قدمه أحمد أمين من الآراء في عملية الإبداع لدى الشاعر الإحيائي، حين رأى أنه لا يضع القصيدة إلا في أعقاب قراءته لقصيدة من قصائد الفحول من الشعراء في المعنى أو في الغرض الذي ينظم فيه إلا أنها-هذه الآراء – تبدو منطقية؛ إذ ليس من باب الصدفة أن توافق هذه القصيدة التي بين أيدينا قصيدة أبي العلاء في الموضوع و المناسبة و الشكل . كما أنه ليس من باب الصدفة-أيضا-أن يمتزج لدى الشاعر الرثاء بما هو فلسفي وحكمي، ونجد مثل ذلك لدى الشاعر القديم، فحافظ ينطلق من مساءلة الثرى عن الأجساد التي يتغذى منها و الدموع التي يشربها، ألم يشبعْ؟ ألم يروَ؟ ويعاقبه على فعله ذاك ثم ينصحه بأن يبحث له عن عالم آخر غير عالمنا يعيش بين ساكنيه، ثم يترجاه بخدود الملاح أن يكف، ولا يخوض الشاعر في موضوعه الأصلي إلا انطلاقا من البيت الحادي عشر معددا مناقب مرثيه في حياته، من كرم وفصاحة وشهامة ، وحين ننتقل إلى النص الثاني (المحكي) نجده يحمل الخطة نفسها؛ حيث لم يستهلَّ أبو العلاء –هو الآخر- قصيدته برثاء أبي حمزة، وإنما استهلها بعرض معتقده في الحياة والموت؛ فهما سيان لا فرق بين من تغنَّى ومن ناح، وبين النعِيِّ والبشير، ولا بين بكاء الحمامة ونوحها ما دامت هذه الصفات عارضة وليست ثابتة، ثم يطلب من صاحبه أن يتوقف في سيره لأن التراب الذي يسير عليه من أجساد الآباء و الأجداد ، ويدعوه إلى الزهد في هذه الدنيا و عدم الاغترار بها، و الإعراض عن (عقيدة  الدهريين)، و يطلب بعد ذلك من الحمائم أن تسعده ، و أخيرا يختم القصيدة بالرثاء.
 إذن فبين القصيدتين تقليد فاضح مكشوف؛ يمهِّد الشاعر القديم لغرض القصيدة بآرائه الفلسفية في الحياة و الموت ، معاتبا (الثرى) المتعطش للموت، و المتغذي بالأجساد حتى كاد الأنام ينفدون، لكن شتان بين فلسفة الشاعر القديم و فلسفة الشاعر الإحيائي؛ فبينما ينطلق الأول من آراء متجذرة تعبر عن عقيدة اعتقدها وظل يدافع عنها ، ينطلق الثاني من خاطر عابر عرض له إثر التجربة الشعورية التي وضع أمامها، فينسى موضوعه، إذ كيف يتحدث عن الثرى الجائع و فجأة يدعوه بقدود الملاح لا بالتراب ؟ و أكبر الظن أن الشاعر تكلم عن الثرى ثم بتأثير التجربة الشعورية المتضخمة توهم أنه يتكلم عن الموت فقال له :

لَسْتُ أَدْعُوكُمُ بِالتُّرَابِ وَلَكِنْ   بِقُدُودِ الْمِلاَحِ وَالْأَجْيَادِ[34]

و يقد المعري فلسفته للحياة انطلاقا من أعماق مداهمته سورتها الظروف القاسية التي عصفت بنفسه منذ الصغر ،فهي فلسفة صادقة مطابقة لواقعه النفسي، فعندما يرى الحياة تعبا كلها ويعجب ممن يرغب في الاستزادة منها فهو صادق لان هنالك معادلا نفسيا وواقعيا لهذه الفلسفة لديه :

تَعَبٌ كُلُّهَا الْحَيَاةُ فَمَا أَعْـ      ــجَبُ إِلاَّ مِنْ رَاغِبٍ فِي ازْدِيَادِ[35]

ينسخ حافظ هذا المعني لا ليعبر عن فلسفته الخاصة في الحياة ولكن ليقلد أبا العلاء ، وكل ما فعله هو العودة إلى ما هو مخزون في الذاكرة و استدعاء معنى البيت السابق ومزجه بقول أبي العلاء في موضوع آخر :

هَذَا جَنَاهُ أَبِي عَلَيْـ           ـيَ وَمَا جَنَيْتُ عَلَى أَحَدْ [36]
  
ليصل إلى هذا المعنى :

لَمْ تَلِدْنَا حَوَّاءُ إِلاَّ لِنَشْقَى       لَيْتَهَا عَاطِلٌ مِنَ الْأَوْلاَدِ[37]
  
فمعنى البيت الأول لأبي العلاء مخبوء في صدر هذا البيت ، ومعنى البيت الثاني مخبوء في العجز، وبذلك فحافظ لا يعبر عن موقف شخصي أو رؤية ذاتية متميزة تقوم على فلسفة آمن بها بقدر ما يستحضر فلسفة غيره ويعبر من خلالها عن تجربته الشعورية .
هذا عن موقف الشاعر وهو – كما يبدو – مستعار من الشاعر القديم أبي العلا المعري، فماذا عن التشكيل؟ وكيف تعامل الشاعر في هذه القصيدة مع أدواته ؟ اللغة ، و الصورة ، و الإيقاع ؟
1 - اللغة : إن الشاعر على العموم يواجه تحديا كبيرا حين يقرر الكتابة، لأنه محكوم بعاملين متأرجح بينها؛ نشاط التشكل في القصيدة من ناحية، وتقاليد الفن المورثة من ناحية ثانية ، لأن  « القصيدة تسعى إلى الوجود (الشكل الجمالي)من خلال الموجود (الواقع اللغوي)،وتفرّدها مرهون بزلزلة منطق التوصيل و تراث التشكيل في آن»[38]، هذه الزلزلة التي ينبغي أن تضيف إلى مخزون الأمة شيئا جديدا ، لا أن يتكرر الشاعر في شاعر آخر، و الحقيقة أن الشاعر الإحيائي فشل- إلى حد كبير – في الإفلات من قبضة الذاكرة و سلطتها عليه سواء في لغته أو أسلوبه ، لأنه تخطى واقعه اللغوي ليحاكي واقعا لغويا سابقا بكل معطياته، وهذه القصيدة التي بين أيدينا تجسد هذه المحاكاة –نسبيا-فحافظ لا يحاول أن يساير واقعه اللغوي بقدر ما ينهل من البيئة العربية الخالصة التي نهل منها أبو العلاء المعري، أليس الشاعر بدويا إلى أقصى حدود البداوة و هو يترنح بالثرى، و الغرثان ، الصادي؟ أليست ألفاظا مستمدة من البيئة القديمة ؟ ولما لجأ الشاعر العباسي إلى الاستعانة على حزنه و بكائه (ببنات الهديل) كان لزاما على الشاعر الإحيائي أن يوجد معينا له على (همه )  تجسد في قبيلة (جهينة)، ولا مناص له من أن يفعل ذلك استجابة لناقوس الذاكرة لأن حضور قصيدة أبي العلاء كان قويا ليس لحافظ أن يأخذ إلا بعناصر البيئة اللغوية الواردة عند المحكي كاملة، كما أن الثقافة العربية الإسلامية الخالصة لحافظ، التي تلقاها و استوعبتها ذاكرته تمام الاستيعاب قد دفعت به إلى الارتماء بين أحضان أبي العلاء، و منه بين أحضان  قصيدته الزاخرة بالمعاني الإسلامية ، وقد وشى بذلك جملة من الألفاظ و العبارات ذات المدلولات الدينية كالترحم على المرثي و التسليم بقضاء الله و قدره و امتداح الخصال الإسلامية في المرثي .
ولكي يكتمل الحديث عن لغة حافظ لا بد من النظر في قاموسه اللغوي و محاولة فهم طبيعة التقليد فيه، فما من عصر أو حقبة أدبية إلا و لها مميزاتها الأسلوبية الشائعة و المتداولة بين الشعراء ،وهذه التعابير والمميزات الأسلوبية تختفي بمجرد حلول عصر جديد لتقوم تعابير جديدة مقامها، والمقصود بهذه التعابير «الصيغ الجاهزة التي ألفتها الأذن في عصر من العصور أو عند شاعر من الشعراء حتى أصبحت أقرب إلى (القالب الجاهز) مثل صبا نجد، كاسيات الطلا، عيون الظباء والمها، نؤوم الضحى، معتقة من عهد نوح، هضيمة الحشا»[39] وهذه "القوالب الجاهزة " في التعبير تساعد كثيرا في كشف الحضور القوي للصوت القديم والعباسي على وجه الخصوص، لأن اللفظة منفردة لا تستطيع أن تشكل دلالة متميزة إلا ضمن سياق معين، وإذا ما تردد هذا السياق فإنه سيشكل صيغة جاهزة تندرج ضمن المميزات الخاصة بعصر ما، وشعر الإحيائيين -و لاسيما "الأعمدة" منهم- مليء بتلك التعابير التي كان يتداولها الشعراء العباسيون و القدماء بصفة عامة، ولعل أكثرهم توظيفا لهذه التعابير البارودي ، ففي قصيدته التي مطلعا :

أَلاَ حَيِّ مِنْ أَسْمَاءَ رَسْمَ الْمَنَازِلِ وَإِنْ هِيَ لَمْ تُرْجِعْ جَوَابًا لِسَائِلِ[40]

نجده يستحضر جملة من التعابير التي انفرد بها العصر الجاهلي أو الإسلامي مثل : أسماء ، رسم المنازل ، خلاء تعفتها الروامس ، أهاضيب الغيوم الحوافل ، ريا الخلاخل...[41] ولا تخلو هذه المرثية لحافظ إبراهيم من الصيغ و التعابير التي وظفت من قبل الشعراء القدامى مثل ، قدود الملاح ، خدود الحسان ، صروف الزمان عهد ذي الأوتاد ، الكثير الرماد، ثياب من الأسى، بيت الحداد...
2الصورة : يلخص الأستاذ جابر عصفور  طبيعة الصورة عند الشعراء الإحيائيين في أربعة أمور هي[42] : التفكك و التناقض – غياب الجامع النفسي لطرفي الصورة – الجمود و التداعي الآتي – النمطية والتعميم ، وفهم الشعراء الإحيائيين للصورة وتعاملهم  معها بهذا الشكل دفع بهم – حسب رأي الأستاذ-إلى « البدء بتقرير الفكرة نثرا ثم إلحاقها بعد ذلك بالصورة المزخرفة أو الشارحة أو المقنعة »[43] و الاعتماد على ما اختزنه الذاكرة في توليد الصورة، و الاهتمام بالجامع الظاهري المنطقي الذي يربط الصور مع إهمال الجامع الباطني، و الحرص على المطابقة بين الصورة و أصلها الفيزيقي المحكي، والجنوح بالشعر نحو نبرة منطقية خطابية قوامها إثارة عواطف السامع أو القارئ، ومهما يكن من قيام هذه النتائج التي توصل إليها الأستاذ على التعميم و المبالغة أحيانا إذ يصعب على المرء أن يتخيل أن الشاعر التقليدي – في عملية إبداعه للقصيدة- يورد الفكرة نثرا أولا ثم يصوغ التشبيه أو الكناية المناسبة لها، لأن مهمة الشاعر ليست كمهنة النجار لتكون بهذه الكيفية –مهما تكن نسبة التعميم والمبالغة في ذلك إلا أننا نخلص إلى شيء من ذلك ولو جزئيا ما دامت عملية الإبداع عند هذا الشاعر- في أحيان كثيرة- شبيهة بمحاكاة لعملية سابقة من جهة وهي من جهة أخرى محاكاة لصورة « حسية حرفية شكلية جميلة جامدة» [44]، و إن كانت حسية الصورة في الشعر العربي ليس معيبا عنها الشاعر الإحيائي وحده بقدر ما هي مثلب يُرمى به كل الشعراء، وبنظرة عجلى نلقيها على القصيدة التي بين أيدينا يتضح لنا ذلك، فحافظ منكر لفعل الموت في الأرض و تماديه في أخْذ مَنْ عليها وللتعبير عن ذلك جسّد موقفه في (الثرى) وراح يستنطقه و يعاتبه عن فعله، وهي حسية مأخوذة من قصيدة أبي العلاء؛ فهو الآخر جسّد موقفه من الحياة و الموت ببعض الصور الحسية المستمدة من واقع الحياة كالتسوية بين صوت النعي و صوت البشير ، أو بكاء الحمامة و غنائها، ولا يحضر المعري وحده قي هذه القصيدة، و إنما الدعوة وجهت أيضا إلى الخنساء فحضرت ببيتين في رثاء صخر أخيها اختبآ في قول الشاعر :

كَيْفَ أَمْسَى وَكَيْفَ أَصْبَحَ فِيهِ           ذَلِكَ الْمُنْعِمُ الْكَثِيرُ الرَّمَادِ ؟[45]

فالشطر الأول وارد في قول الخنساء :

فَيَا لَهْفِي عَلَيْهِ وَلَهْفَ أُمِّي!   أَيُصْبِحُ فِي التُّرَابِ وَفِيهِ يُمْسِي؟[46]
والشطر الثاني مخبوء في قولها:
طَوِيلُ النِّجَادِ رَفِيعُ الْعِمَادِ       كَثِيرُ الرَّمَادِ إِذَا مَا شَتَا[47]
و يعود الشاعر مرة أخرى إلى أبي العلاء ليستدعيه في البيتين الخامس و السادس في قوله :

لَسْتُ أَدْعُوكُمُ بِالتُّرَابِ وَلَكِنْ   بِقُدُودِ الْمِلاَحِ وَالْأَجْيَـاِد[48]
بِخُدُودِ الْحِسَانِ بِالْأَعْيُنِ النُّجْـ        ـلِ بِتِلْكَ الْقُلُوبِ وَالْأَكْبَادِ

و هما ينطلقان من قول المعري :

خَفِّفِ الْوَطْءَ مَا أَظُنُّ أَدِيمَ الْـ  أَرْضِ إِلاَّ مِنْ هَذِهِ الْأَجْسَادِ[49]

و خلاصة القول فـي الصورة عند الشاعر الإحيائي أنها متأثرة تأثرا واضحا بالشعر القديم بمختلف أطواره، ولولا استعداده الفطري وفهمه للشعر لما كان للشاعر الإحيائي ذكر، ويمكن تلخيص طبيعة الصـورة عند الشعراء الإحيائيين بما يلي[50]:
- التقليد الفج للقدماء بسبب ضعف المستوى الفني للشاعر الإحيائي.
- غياب الدلالة الجمالية و النفسية للصورة جراء الاعتماد على مستودع الذاكرة.
- تكلف جمع الصور من لدن شعراء مختلفين قصد تمويه القارئ فجاءت الصور ملفقة .
- ضعف التوليد و الابتكار و الاستسلام لسلطة الذاكرة.
3 -  الإيقاع : يعد الإيقاع من أهم الخصائص التي ترتبط بالشعر، سواء كان خارجيا أو داخليا، و ما تحديد القدماء لمفهوم الشعر بالكلام الموزون المقفى إلا دليل على أهمية الوزن في الشعر ، و بعملية استقراء سريعة للبحور الخليلية نخلص إلى أنها تنقسم قسمين: بسيطة و مركبة ، و المقصود بالبسيطة ما جاء منها على  تفعيلة واحدة كالرمل والرجز والمتقارب وميزتها أن ذبذباتها الزمانية تتحقق « على شكل متعاقب سريع يضمن استجابة الإنسان مهما كان بدائيا لها ، فيتذوقها و ينفعل لها بسهولة وهذا هو السبب الذي من أجله كانت أوليات الشعر الإنساني مصبوبة في قالب إيقاعات بسيطة »[51]  أما المقصود بالمركّبة فهي البحور التي تقوم على التفعيلات المتنوعة كالطويل و البسيط و الوافر... ومن خصائصها أن الذبذبات الزمانية فيها « تتم بشكل لا يتذوقه إلا الإنسان الذي ألفها بحيث اعتادتها حاسته السمعية ، إن الإيقاع المركب عبارة عن خطوات تالية للخطوات التي قطعها الإنسان و هو يكتسب الخبرة به»[52] لذلك يفترض أن الإيقاع البسيط حالة بدائية أما المركب فهو حالة حضارية ، لأن استيعاب الأول يستدعي التلقائية أما استيعاب الثاني فإنه يستدعي المعرفة، و كون الإيقاع بهذا الطرح يفضي بنا إلى حقيقة مفادها أن النص يقوم على الثنائيات الضدية و يجسد ما في نفسه صاحبه من التناقض والتعقيد، لذلك جاء على تفعيلات الخفيف الذي تنتظمه تفعيلتان هما: "فاعلاتن" و"مستفعلن"، والبحر بهذه البنية المركبة موظف توظيفا مناسبا لأنه ترجم حالة التناقص التي يشي بها النص والثنائيات الضدية التي وردت بالشكل التالي :
- نوح باكٍ ≠ ترنم شادٍ
- صوت النعيّ ≠   صوت البشير
- بكت الحمامة ≠  غنّت
- الناس للبقاء ≠ أمة للنفاد
- هجد   ≠ الساهرون
وهذا التعقيد يمس النص الأول على مستويين ، الشكل والمضمون؛ يمسه من حيث الشكل بما يبدو عليه من طابع فلسفي منطقي بالغ التعقيد ، ويمسه من حيث المضمون بالمعاني المتضادة و يحسب للشاعر القديم هذا التوفيق في التعبير عن حالة متناقضة بهذا البحر المركب، و بالانتقال إلى القصيدة الثانية لحافظ نجد أنها تقوم على بحر مركب هو الخفيف، وهو البحر نفسه الذي وظفه المعري، فهل وفّق الشاعر الإحيائي في الأخذ به؟ النص لا يعبر عما هو فلسفي متجذر في نفس صاحبه، ولا تشكل الثنائيات المتضادة فيه مسرحا لها يستوقف القارئ ويشده إليه، لأنه – ببساطة- محاكاة للنص القديم و نسخ مشوه له على الرغم من توفر الدافع القوي للنظم عند صاحبه، و لم يستطيع الشاعر الإحيائي أن يفلت من قبضة الشاعر القديم في شكل القصيدة ولا في مضمونها، فالقصيدتان  من بحر واحد – كما سبق – و على قافية واحدة وروي واحدة ، كما تلتقي القصيدتان في أكثر الكلمات التي تضم القافية ، فالأجساد، والنفاد ، وزاد ، والوداد، والعباد، ونادي، والسهاد والحداد كلها وراء النص الأصلي.
     وخلاصة القول أن التشكيل الفني لدى الشاعر الإحيائي سواء في صورته أو لغته أو إيقاعه لم يتعدّ الترسيمة القديمة التي وضعها الشاعر القديم، ولاسيما عند البارودي واليازجي وشكيب أرسلان الذين يمثلون الإحيائية في أوجها، أما عند شوقي وحافظ وغيرهم فيما بعد فإن الأمر اختلف مع تبلور الكلاسيكية الجديدة، وكانت صورة التشكيل الفني باهتة جدّا لدى الشاعر الإحيائي الأول لأن التقليد ضيّع تجربته الفنية الخاصة وبددها، وجعله يفر من ذاته إلى تأمل الموروث الذي استغرقه وصرفه عن الرؤية الشاملة والإحساس بالنسق الكامل إلى التأمل الجزئي .

الحواشي:




*  ) – المقال منشور بمجلة الأثر العدد 09  سنة 2010 – جامعة قاصدي مرباح – ورقلة –الجزائر.
1)  قصتي مع الشعر : نزار قباني ، منشورات نزار قباني ، لبنان ( د ت ) ص 83 .
2) حنا الفاخوري: منتخبات الأدب العربي، منشورات المدرسة البولسية، بيروت،ط5،1970، ص 505
3) محمد الكتاني: الصراع بين القديم و الجديد في الأدب العربي الحديث،ج1،دار الثقافة،المغرب،1982 ، ص 226 .

4) ينظر: نفسه، ص 225 .
5) نفسه، ص 262 .
 6) محمد عبد الله الغذامي: الخطيئة و التكفير – من البنيوية إلى التفكيكية ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، مصر ، ط4 ، 1998 ،ص 332 .
 7) جابر عصفور : ذاكرة الشاعر التقليدي ، مقال بمجلة العربي ، ع : 458 يناير،الكويت، 1994 ، ص 80 .
 8) محمود سامي البارودي: الديوان، ج1، دار العودة، بيروت، 1998 ، ص 462 .
 9) محمد الكتاني:  الصراع بين القديم و الجديد في الأدب العبي الحديث ، ص 249 .
 10)عبد الله التطاوي :  المعارضة الشعرية بين التقليد و الإبداع، دار الثقافة للنشر و التوزيع ، القاهرة ، ( د . ت ) ص193 .
11) أبو فراس الحمداني: ديوان، دار صادر ، بيروت، 1990 ، ص 102 .
12) محمود سامي البارودي: الديوان، ص 236 .
[13] ) جابر عصفور: قصيدة الشعر، مقال بمجلة العربي، العدد:510،الكويت، ماي 2001،ص85.
14) محمد الكتاني: الصراع بين القديم و الجديد في الأدب العبي الحديث ، ص 254 .
[15] ) جابر عصفور: قصيدة الشعر، ص82.
[16] ) عبد المنعم تليمة: مداخل إلى علم الجمال الأدبي،دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، 1978،ص99.
[17] ) نفسه،ص100.
[18] ) جابر عصفور: ذاكرة الشاعر التقليدي ، ص83.
[19] ) محمد الكتاني: الصراع بين القديم والجديد،ص243.
[20] ) المتنبي: الديوان، دار بيروت للطباعة والنشر،بيروت،1980،ص388.
[21] ) محمد الكتاني: الصراع بين القديم والجديد في الأدب العبي الحديث، ص263.
[22] ) نفسه، ص232.
[23] ) جابر عصفور: قصيدة الشعر، ص83.
[24] )  محمود سامي البارودي: الديوان، ص43.
[25] ) نفسه،ص71.
[26] ) البحتري: الديوان،ج2، مطبعة هندية بالموسكي، مصر، ط1، 1921 ص86. ( متاح على الإنترنت ).
[27] )  أحمد شوقي: الشوقيات، ج1، دار المعارف، القاهرة، (د.ت) ، ص171.
[28] ) أبة تمام : الديوان، المجلد1، دار المعارف، القاهرة، ط4، 1983،ص154.  
[29] ) علوي الهاشمي : فلسفة الإيقاع في الشعر العربي ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، ط1 ، 2006. ص24 .
[30]  البحتري: الديوان، ج2، ص56.
[31] )  أحمد شوقي: الشوقيات، ج1، ص301.
[32] ) حافظ إبراهيم : الديوان ، ج1، ص 62.
[33] ) أبو العلاء المعري: سقط الزند، ص 08.
[34]  حافظ إبراهيم : الديوان ، ج1، ص63.
[35] ) أبو العلاء المعري: سقط الزند، ص08.
[36] نفسه، ص 27.
[37] ) حافظ إبراهيم : الديوان ، ج1، ص63.
[38] عبد المنعم تليمة : مداخل إلى علم الجمال الأدبي، ص 103.
[39] إبراهيم السعافين :مدرسة الإحياء و التراث، درا الأندلس ، بيروت (د.ت)ص 321.
39 ) محمود سامي البارودي: الديوان، ص462
[41] ) ينظر: إبراهيم السعافين: مدرسة الإحياء و التراث، ص 331.   
[42] ) ينظر: جابر عصفور : قصيدة الشعر، ص 18 و ما بعدها.
[43] ) إبراهيم السعافين: مدرسة الإحياء و التراث ، ص 356
[44] ) نفسه ،ص 357.
[45] ) حافظ إبراهيم : الديوان ، ج2، ص133.الخنساء : الديوان ، دار صادر ، بيروت ، 1996 ،ص 31 .
[46]  الخنساء : الديوان ، دار صادر ، بيروت ، 1996 ،ص 31 .نفسه، ص17.
[47]  ) نفسه، ص17.
[48] ) حافظ إبراهيم : الديوان ، ج1، ص63.
[49] أبو العلاء المعري: سقط الزند، ص 08.
[50] إبراهيم السعافين: مدرسة الإحياء و التراث ، ص 397.
[51] محمد السرغيني: محاضرات في السيمولوجيا ، دار الثقافة للنشر و التوزيع ، دار البيضاء ، ط1، 1987، ص151 .
[52] نفسه، ص 152.

إقرأ المزيد